Ad Code

Responsive Advertisement

مسلسل ( الجماعة ) ومناصرة (المحظورة)

يبدو أننا صرنا فى زمن لم يعد الصوم فى رمضان هو المشقة الوحيدة التى نعانيها طمعا فى الأجر من الله عز وجل، إذ اصبحت المشقة الأكبر هى مانعانيه عند متابعتنا للمسلسلات التاريخية التى يتعمد التليفزيون بثها فى هذا الشهر الكريم. وأعتذر عن قولى أنها تاريخية لأن التاريخ منها براء
ففى شهر رمضان المعظم، الذى تتجه فيه كل الجوارح نحو العبادة واستهجان الشطط من القول او الفعل، يخرج علينا التليفيزيون المصرى فى هذا الوقت بالذات بمسلسل يظهر فيه البطل ومريديه فى صورة مجاهدين ومناصرين لإعلاء شأن الفضيله، فى زمن كأنه قد خلا من كل فضيله، وكأن بالأزهر قد خلت جنباته فى ذلك العصر من داعية فقيه يرى بأم عينه الفجور ولا ينطق !!! بل يسارع بعض الأزاهرة لينضموا لجماعة المدرس - الفقيه - الذى لم يتخرج أو يدرس على أيدى أساتذة متخصصين
المسلسل مثله مثل أى مسلسل درامى يرمى إلى عرض أحداث تاريخية، وخلال هذا العرض الدرامى يبتعد كثيراً عن الوقائع التاريخية الحقيقية، سواء المذكورة فى الوثائق أو فى الدوريات أو المراجع التاريخية المعتمدة

فعلى سبيل المثال لم يذكر مسلسل (الجماعة) أن تنظيم ( الإخوان) لم يكن وحده خلال تلك الفترة الزمنية الذى يمتلك جناحا عسكريا لجماعته السياسية، فهناك ايضاً كان الجناح العسكرى لحزب (مصر الفتاة ) - ( أصحاب القمصان الخضر )، وأيضاً جناح (أصحاب القمصان الزرق ) من الوفديين، وغيرهم من الجماعات الصغيرة والمتناهية الصغر ، التى كانت ترى فى عمليات الاغتيالات السياسية نوعاً من الوطنية فى مناهضة الاستعمار وأعوانه خلال تلك الفترة التاريخية

إذ عرفت الحياة السياسية فى مصر خلال الأعوام من 1933 إلى 1937 تنظيمات شبابية أقرب للتنظيمات العسكرية بشكل علنى، وإن كان الأمر فى حقيقته ينطوى على تنظيمات سياسية  معلنة سعت لتدريب هؤلاء الشبان بشكل سرى، كالإخوان المسلمين ومصر الفتاة، فكانت هذه التنظيمات تضم بين صفوفها الطلبة بنسب مختلفة، أولئك الذين كانوا يعايشون الأحداث وتموج قلوبهم بإعجاب للألمان وكراهية للمحتل الإنجليزى، مما كان دافعا لهم للانخراط فى صفوف مثل تلك التنظيمات المسلحة، ومن الجماعات السرية الصغيرة جماعة "كمال الدين رفعت" التى كانت تضم  :(صلاح الدسوقى وحسن التهامى ومراد غالب وكمال حسنين وطلعت يوسف وأحمد الرزنامجى)، إذ كونوا جماعتهم هذه مذ أن كانوا طلبة بالمدرسة الثانوية عام 1938، واقتصرت معاركهم  - فى بعض مناطق القاهرة -  مع الإنجليز فى الشجار المحدود والاشتباك بالأيدى، وقد حذت حذوها جماعات أخرى من طلبة المدارس استولت على الأسلحة من ثكنات الجيش الإنجليزى، وكانت أهم هذه الجماعات جماعة "حسين توفيق" التى نجحت أثناء الحرب العالمية الثانية (1937 -1945) فى اشعال الحرائق فى سيارات الجيش الإنجليزى، كما قتلت عددا من جنود الإحتلال، وانتهت بحادث اغتيال "أمين عثمان" - يناير 1946

وأظن (البنا) قد أعجب، كغيره من شباب تلك الحقبة الزمنية، بتجربة "موسولينى (حكم إيطاليا بين عامى 1922 : 1943)"  الذى كان قد قام بتنظيم جماعة من الصبية تشرف عليها هيئة تحمل اسم
  المنضدة - "Balilla"
وقد اهتمت هذه الهيئة بتدريب الصبية بدنياً بشكل سليم، بالإضافة إلى تعليمهم العسكرية، وبدأ الاهتمام بهم من سن السادسة إلى الحادية والعشرين، كما أعطوا كل سن ما يناسبه من التعليم والتدريب، واختير لتعليمهم معلمون من الأكاديمية الفاشية،وكان زيهم هو القميص الأسود المقفل عند الرقبة ، وشارة من المعدن وحزام أبيض وبنطلون طويل، وقد انتقلت هذه التعاليم إلى معظم دول العالم خلال ثلاثينات القرن العشرين، إذ وجدت صدى طيبا فى المجتمعات التى كانت تواجه تناقضات طبقية

أقول أظن أن (البنا) نفسه قد أعجب بهذه التجربة الفريدة؛ إذ أسس "فرقة الرحلات" أولاً على نظام "الكشافة"  فى عام 1935، إذ ظهر نشاطها بالاشتراك فى حفظ الأمن فى إحتفال بتوالى الملك "فاروق الأول" عرش البلاد،  وقد أقيم أول معسكر لها فى (الدخيلة) فى نهاية عام 1939 -  وفى بداية عام 1940 بدأ أول تشكيل عام للحركة الكشفية فى محيط الإخوان المسلمين (الجوالة) ، ورسمت لها سياستها العامة فى أن تعمم فى أنحاء القطر المصرى . فحددت أهدافها كالآتى :- 1- الشباب عدة الوطن ، ولابد أن تعبأ جهوده . 2- إعداد مجموعة من القادة يكونون نواة لتدريب هذه الجموع ، فيلقنون مبادئها و أغراضها وتدريباتها حتى يبثونها فى صدور من يشرفون عليها . 3- تشكيل مجموعة بكل شعبة من شعب الإخوان من عشرة من العاملين ( الممتازين روحيا وخلقياً ) وتتشرب الفكرة لمدة ثلاث سنوات على الأقل . 4- السماح بانضمام خمسة أفراد لكل مجموعة كل شهرين

ثم بدأ  تشكيل المجلس الأعلى "لفرقة الجوالة" على الوجه الآتى :- 1- تكوين المجلس الأعلى للجوالة من سبعة أفراد : المرشد العام ( حسن البنا  رئيسا أعلى للكشافة ، (حسين كمال الدين) مديراً عاماً للكشافة ، و الصاغ (محمود لبيب) مفتشاًً عاماً ، وكل من : (محمود أبو السعود ، وسعد الدين الوليلى ، وعبد الغنى عابدين ، عبد العزيز أحمد  ( أعضاء تنفيذيين)) ، وبعد عام كامل من هذا التنظيم -  أى فى بداية عام 1941 - كان تعداد (جوالة الإخوان المسلمين ) 2000 جوال، ، ويعتقد بأن النية كانت مبيتة لتحويلها إلى قوة عسكرية، خاصة مع إشارة بعض المراجع إلى  أن (البنا) كان يجمع السلاح منذ عام 1940، كما بلغ قوامها فى عام 1945 - بحسب تصريحات (البنا) نفسه - حوالى عشرين ألف جوال

هل لاحظ الجميع علاقة التواريخ السابقة؟  إذ أن (البنا) بدأ تأسيس فرقته مع نهاية عام 1939، واكتمل التنظيم فى بداية 1941، أى أنها الفترة الزمنية
 التى شهدت علو النعرة الفاشية، وهو ما بنيت ظنى عليه - هذا إذا لم نلق بالاً لبعض الوثائق البريطانية التى تقول بتورط مرشد الإخوان مع بعض ضباط الاستطلاع فى السفارة البريطانية نفسها، باعتبار قول البعض لكونها وثائق ملفقة 

إذ ترجع  فكرة تأسيس "الفرق الكشفية" والتى تسبق تأسيس "موسولينى" نفسه لفرقته الفاشية، لزمن حرب البوير الأولى (1880 - 1881)، فكان أول من ألف كتابا عن ( الاستطلاع والكشفية ) هو "اللورد/ روبرت ستيفنس سمث بادن باول"  الذى قضى مرحلة خدمته العسكرية فى فرقة ( الهوسارد 13 ) البريطانية - الهندية   خلال حرب البوير الأولى فى جنوب أفريقيا، وكانت مهمته سرية لاستكشاف وجمع المعلومات لمعرفة إمكانية الهجرة بصفة مدنية لأهداف عسكرية بحتة ، فكان  تجواله فى مناطق قبائل "الزولو" أصحاب الأرض الشرعيين بجنوب أفريقيا ، وقد أنجز عملا استخبارياً نال عليه تقدير رؤسائه ، وأمضى روبرت مدة ثلاث سنوات ضمن حاميته مما أكسبه خبرة في مجال الاستطلاع والاستكشاف في العمق وار تفع عنده فن الملاحظة، أسس بعدها "الكشافة" عام 1907 فى بريطانيا

أما عن (حسن البنا) فقد ولد بالمحمودية بمحافظة البحر الأحمر، فى أكتوبر 1906 ،وهو الابن الأكبر للشيخ ( أحمد عبدالرحمن البنا) الشهير بالساعاتى، وإلتحق (حسن البنا) بمدرسة (الرشاد الدينية) وهو ابن الثامن سنين تقريباً، حيث درس بها مدة أربع سنين، انتقل بعدها إلى المدرسة الإعدادية أى حوالى عام 1918، ومنها إلى مدرسة المعلمين فى عام 1920،وأكمل دراسته العليا بأن إلتحق بدار العلوم، جامعة فؤاد الأول - القاهرة حالياً - وتخرج فيها عام 1927. أسس جماعة (الإخوان المسلمون) فى عام 1928 بالإسماعلية - حيث كان يعمل مدرساً -  كجمعية دينية تحض على الأمر بامعروف والنهى عن المنكر، وبعد نحاج دعوته فى كل من "الإسماعلية وأبوصير وبورسعيد والسويس والمحمودية"، خاصة بعد عام 1936 حين كسب (البنا) عطف مفتى فلسطين، كنتيجة لتأييده الثورة بها، ناهيك عن اتصالاته ببعض حكام الدول العربية، هذا بالإضافة لإبرام الحكومة الوفدية لمعاهدة 1936 التى هزت شعبية الحزب، الأمر الذى عزم معه (البنا) خوض الجماعة لمعترك الحياة السياسة فى عام 1938، خاصة وأن القصر فى حاجة للتأييد من الجبهة الشعبية فى صراعه مع حزب الوفد من ناحية، وحزب السعديين المنشق عن الوفد من ناحية أخرى

كما أن سحب الحرب العالمية الثانية كانت تتجمع فى الأفق، وكان القصر يعول على انتصار المحور، وعليه اعتزم تعبئة الشعور العام ضد بريطانيا، مما أدى إلى استقالة وزارة "محمد محمود" المعروف بميوله البريطانية، وتولى بعد "على ماهر" الذى بادرت حكومته بإعلان الأحكام العرفية فى أول سبتمبر 1939 وفرضت الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام، وكان السعديون والحزب الوطنى قد أيدوا هذا الموقف بحكم اشتراكهم فى الوزارة، كما وافق حزب الأحرار الدستوريين وخضع حزب الوفد أيضاً تحاشيا للصدام مع الإنجليز، وساير الإخوان المسلمون إتجاه الحكومة

وفى مايو 1941 تم نقل (البنا) إلى "قنا" بناء على بلاغ بريطاينا للحكومة بأن (البنا) وجماعته يعملون لحساب إيطاليا، إلا أن تراجع "حسين سرى" فى قرار النقل أشعر (البنا) بمدى قوته مما ضاعف معه نشاط الإخوان، الأمر الذى جعل الحكومة تشدد الإجراءات عليهم فتمت مصادرة مجلتى ( "التعاون والشعاع" و"المنار") ، ومنع طبع رسائلهم وإغلاق مطبعتهم ومنع اجتماعاتهم، مما أدى إلى أن كسب الإخوان العديد من الأنصار

وبعد حادث 4 فبراير 1942 تشكلت حكومة وفدية برئاسة "مصطفى النحاس" وقامت بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، فأعلن (البنا) عن رغبته للترشح عن دائر الإسماعلية، فاستدعاه "مصطفى النحاس" وطلب منه الانسحاب، فوافق (البنا) مقابل تنفيذ مطالب جماعته، وتمثلت مطالبهم فى السماح بعقد الاجتماعات واصدار المطبوعات، فوافق "النحاس"، فكان لذلك أثره فى إبراز شخصية (البنا)

كما أن (البنا) قد استغل الشعور العام بالاستياء من حادثة 4 فبراير ليستقطب لجهازه السرى بعض ضباط الجيش، فكان من بينهم "جمال عبدالناصر وكمال الدين حسين والبغداى"،  وكان هذا الجهاز مكون من ثلاث شعب : 1- الجهاز المدنى. 2- جهاز الجيش. 3 - جهاز البوليس، وكان لكل جهاز رئيس يتصل بالمرشد العام الذى كان بمثابة الرئيس العام له، وينقسم كل جهاز من الثلاث إلى عدة خلابا، فى كل خلية خمسة أعضاء ، وكان الطلبة يشكلون العنصر الأساسى فى هذا التنظيم، فيشترط فى العضو أن يكون عاقلا وتجاوز العشرين من عمره

عموماً فإن علاقة الإخوان بالسياسية كانت تحدها المصالح السياسية، خاصة بعد فشل "فاروق الأول" فى تنصيب نفسه "خليفة للمسلمين"؛ واستعاضه عن ذلك بتأسيس "جامعة الدول العربية" فى عام 1945 ليكون لمصر بذلك شرف قيادة الدول العربية، إذ أن قيادة العالم الإسلامى بإعلان "الخلافة" لم يكن ممكناً فى ذلك الوقت؛ وعليه كانت مساندة الإخوان لسياسة القصر من ناحية، ومساندة القصر للإخوان اتباعاً لسياسة تجميع جبهة شعبية مناهضة للسياسة البريطانية المتبعة ضد القصر

وعليه كان الجذب والشد سمة العلاقة بين الإخوان والحكومة فى ذلك الوقت، حتى أن (البنا) نفسه وسكرتيره قد تم اعتقالهما عقب اغتيال رئيس الوزراء "أحمد ماهر" فى 24 فبراير 1945، إذ كانت شبهات الحادث تحيط بجماعة الإخوان، لولا إعتراف الجانى نفسه - "أحمد العسوى"- المنتمى للحزب الوطنى، وقد استمرت علاقة الجذب والشد هذه خلال فترتى رئاسة "محمود فهمى النقراشى" الأولى والثانية للحكومة المصرية، وحتى اغتياله فى  28 ديسمبر 1948 على يد أحد اعضاء جماعة الإخوان، أى قبل شهر وعشرة أيام لاغتيال (البنا) نفسه فى 12 فبراير 1949

ونذكر هنا واقعة تأييد جماعة "الإخوان" لحكومة "النقراشى" الثانية؛ ذلك أنه عندما قرر "النقراشى" السفر إلى أمريكا لعرض "القضية المصرية " على مجلس الأمن فى 1947، أرسل له (البنا) خطاباً فند فيه المطالبات الوطنية، والتى تمثلت فى حق وداى النيل فى الحرية الكاملة والوحدة والاستقلال التام ، وضرورة الجلاء لكل القوات الإنجليزية، وإن لم يتحقق ذلك فليس أمامه غير طريق الكفاح، هذا بالإضافة إلى أن "الإخوان" أرسلوا مندوباً  عنهم، وهو "مصطفى مؤمن" مع "النقراشى" رئيس الوفد المصرى للأمم المتحدة، وقد ظهر دور مندوب "الإخوان"فى مجلس الأمن عندما عرض اقتراحاً بشأن عودة المفاوضات بين مصر وبريطانيا حول معاهدة 1936، الأمر الذى كانت ترفضه القوى الوطنية فى مصر

كان ذلك فيما يخص (البنا) تاريخياً، أما فيما يخص طرح الشخصية الدرامية لـ( حسن البنا ) نفسه فى هذا المسلسل ، فلا يوجد عاقل ينكر أن (البنا) كان يتمتع بشخصية كاريزمية قلما تتوافر لغيره ، وهو ما أرى أن المسلسل قد أوضحها، حتى أنى - وانا المعارضة لفكر الإخوان - أجد نفسى متعاطفة مع شخصية (البنا) البطل الدرامى فى المسلسل وليس الشخصية التاريخية التى قرأت عنها ، فالمسلسل - من وجهة نظرى - أسدى صنيعاً حسناً لجماعة الإخوان، إذ أصبحت ألمح مظاهر التقديس لشخص "حسن البنا" نفسه بين عامة الشعب، ناهيك عن قناعتهم بمسألة الربط بين الدين والدولة !!! 
فحسن البنا عندما قامت ثورة 1919 كان فى الخامسة عشر من عمره ولكننا لانجد له أى تعليق أو إشارة له تمت لهذا الحدث بصلة، رغم أن أقرانه كانت تعج بهم المظاهرات فى أنحاء مصر كلها، بل أنه - كما يشير الإخوان أنفسهم - كان متميزًا بين زملائه؛ ففي المدرسة الإعدادية كان مرشحًا لمناصب القيادة بينهم، حتى أنه عندما تألفت "جمعية الأخلاق الأدبية" وقع اختيار زملائه عليه ليكون رئيسًا لها. غير أن تلك الجمعية المدرسية لم ترض طموح هذا الناشئ، وزملائه المتحمسين، فألفوا جمعية أخرى خارج نطاق مدرستهم، سموها "جمعية منع المحرمات" وكان نشاطها مستمدًا من اسمها، عاملاً على تحقيقه بكل الوسائل، وطريقتهم في ذلك هي إرسال الخطابات لكل من تصل إلى الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون الآثام، أو لايحسنون أداء العبادات

بل نجده بغرابة شديدة يأخذ التبرعات من المحتلين لدعم جماعته فى بداية تكوينها،  ويوجد من الوثائق التى تشير إليها بعض المراجع عن علاقات وثيقة بينه وبين السفارة البريطانية، وهو ما لم يشر إليه المسلسل كما أننا لم نجده يتكلم عن استقلال مصر، إلا بعد أن اهتزت شعبية حزب "الوفد" عقب توقيع معاهدة 1936؛ إذ بدأت فى هذا الوقت علاقته بالقصر، حيث كان الملك "فاروق" تحت الوصاية، وكان بإيعاذ من بعض المحيطين بالملك - والمناهضين لحزب "الوفد" - يحاول أن يصطبغ بصبغة دينية أمام الشعب لتأهيله أن يعلن نفسه "خليفة للمسلمين"، وهو ما وافق هوى فى نفس (البنا)، فكان بين القصر و(البنا) اتصالات أدت إلى أن ينال ( البنا) عطف ورعاية القصر، ما مكن (للبنا) أن ينفذ إلى مناطق ما كان له أن يصل إليها، ما دعاه  يطمح لأن يرشح تفسه، بل و يكون له مرشحين فى الإنتخابات البرلمانية، ليكون ذلك شرعية سياسية لجماعته، لولا اعتراض "النحاس"  على أن يكون له ولجماعته دور سياسى مستتر خلف الدين، وهو مايخالف الفكر الوفدى الذى تأسس على وحدة المصريين من مسلمين ومسيحيين

وهنا نرى أن أفكار البنا كانت تتوافق والقصر الذى يكره الوفد ويطمح للخلافة فكانت تلك المرحلة عند البنا هى مرحلة الاستفادة من دعم القصر بعد أن انتهت بالنسبة له المرحلة الأولى التى استفاد فيها من دعم الإنجليز بصفته مؤسس لجماعة دينية لاتعمل بالسياسة وأفضل للإنجليز أن تنتشر جماعة لا تتحدث سوى فى الدين ولاعلاقة لها بالحديث عن الاستقلال، وتكون هذه الجماعة ضربة فى قلب الوحدة الوطنية التى لم تفلح من قبل كل محاولاتهم للنيل منها، ولكن عندما انتهت هذه المرحلة وبدأت مرحلة علاقته بالقصر كان لابد له من تغيير بعض المواقف لينال عطف القصر، وعليه بدأ للمرة الأولى فى حياته يتذكر أن مصر محتلة فيتحدث عن استقلالها، وإن كانت مطالبته تلك بالاستقلال ظلت دائما على استحياء لا يصل معه لمرحلة العداء مع الإنجليز المربى الأول له ، حتى أننا نجد مندوبه فى وفد "النقراشى" فى مجلس الأمن يعرض إعادة التفاوض حول معاهدة 1936 مخالفا بذلك كل القوى والتوجهات السياسية فى مصر

فهل نجح الإنجليز فى تحقيق غايتهم فى (البنا) بضرب الوحدة الوطنية فى مصر؟
أظن أن الأحداث المتلاحقة منذ تلك الفترة وحتى يومنا هذا كفيلة بالرد على هذا السؤال

وفى النهاية أرجو من التليفيزيون وصناع الدراما أن يدعوا التاريخ وشأنه، فمن أراد أن يعرفه فعليه أن يتكبد مشقة البحث والقراءة، أفضل من أن يأخذه من أعمال درامية لا تمت للحقيقة بصلة، بل ويصدقها العامة ويتحدثون بها حديث المسلمات، حتى أنه قد يخرج علينا من يقول أن القدس لم يحررها "صلاح الدين الأيوبى" وإنما محررها هو الفنان "أحمد مظهر"

داليا سعدالدين
باحثة تاريخ معاصر
معهد الدراست والبحوث الأفريقية
جامعة القاهرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  المراجع

يونان لبيب رزق (دكتور): أصحاب القمصان الملونة فى مصر (1933 - 1937)، دراسة فى المجلة التاريخية ، عدد 21 ، سنة 1974
عاصم محروس عبدالمطلب: دور الطلبة المصريين فى الحركة الوطنية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة 1975
عبدالعظيم رمضان (دكتور) : تطور الحركة الوطنية فى مصر ، القاهرة 1973
عاصم أحمد الدسوقى (دكتور): مصر فى الحرب العالمية الثانية، القاهرة  1976
عبد الرحمن الرافعى: فى أعقاب الثورة المصرية، الجزء 3، القاهرة 1951
زكريا سليمان بيومى: (دكتور) : الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية فى الحياة المصرية السياسية 1928 - 1948، القاهرة 1977
يوسف القرضاوى (دكتور): التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، القاهرة 1979
محمد عبدالقادر أبو فارس (دكتور) : الفقه السياسى عند الإمام الشهيد حسن البنا، ، عمان 1999
نبيل عبدالحميد سيد أحمد (دكتور)،  يواقيم رزق مرقص (دكتور): اغتيال أمين عثمان،  القاهرة  1992
أبو الحسن الندوى: التفسير السياسى للإسلام فى مرآة كتابات الأستاذ ابى الأعلى المودودى والشهيد سيد قطب، القاهرة 1980
أنور السادات: أسرار الثورة المصرية - بواعثها الخفية وأسبابها السيكولوجية ، القاهرة 1965
محسن محمد: من قتل البنا ، القاهرة 1987
يونان لبيب رزق: الأحزاب السياسية المصرية قبل ثورة 1952 ، القاهرة 1977
رفعت السعيد (دكتور): حسن البنا - متى، كيف - ولماذا ، سوريا 1997


 كشافة الإخوان، ويكيبديا الإخوان المسلمون :  http://www.ikhwanwiki.com/index

Robert Stephenson Smyth Baden-Powell :  http://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Baden-Powell,_1st_Baron_Baden-Powell

The First Boer War:  http://en.wikipedia.org/wiki/First_Boer_War

Scout Movement:  http://en.wikipedia.org/wiki/Scouting

حسن البنا ، ويكيبديا الإخوان المسلمون :  http://www.ikhwanwiki.com/index

Post a Comment

0 Comments